الشيخ الطبرسي

165

تفسير جوامع الجامع

لي على وَجْهِ الإِنْكارِ علَيَّ والتَهجينِ لي : ( أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ) بالبَعْثِ والحِسَابِ . ( لَمَدِينُونَ ) أي : لَمَجْزِيُّونَ ، من الدِينِ الذي هو الجَزَاءُ ، أو : لَمَسُوسُونَ مربُوبُون ، مِن دَانَهُ إذا سَاسَهُ . وفي الحديثِ : " الكَيِّسُ مَن دَانَ نَفْسَه وعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الموتِ " ( 1 ) . ( قَالَ ) أي : ذلك القائِلُ لإِخْوانِهِ في الجنَّة : ( هَلْ أَنْتُمْ مُّطَّلِعُونَ ) إلَى النَّارِ لأُريكُم ذلك القَرينَ ؟ وقيلَ : إنَّ القائِلَ هو الله ( 2 ) ، وقيلَ : بعضُ الملائكةِ ( 3 ) ، يقَالُ : طَلَعَ علينا فُلانٌ واطَّلَعَ وأطْلَعَ بمعنىً واحِدٌ ، عَرَضَ عليهِم الاطِّلاَعَ فاعتَرَضُوهُ ( فَاطَّلَعَ ) هو بعدَ ذلكَ فَرأى قَرينَهُ ( فِي سَوَآءِ الْجَحِيم ) في وَسَطِها . ( قَالَ ) لَهُ : ( تاللهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ) " إنْ " هي المخفَّفةُ من الثَّقيلةِ ، واللاَّم هي الفارِقَةُ ، أي : إِنَّكَ كِدْتَ تُهْلِكُني بما قُلْتَهُ لي وَدَعَوْتَني إليهِ ( وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي ) عليَّ بالعِصْمَةِ والتوفيقِ ( لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضرِينَ ) الذين أُحْضِرُوا العذابَ معكَ في النارِ . والفاءُ عاطِفَةٌ على محذُوف تَقديرُهُ : أَنَحْنُ مخلَّدونَ مُنَعَّمُونَ فَمَا نَحْنُ بميّتينَ ولا مُعَذَّبينَ ؟ ! والمعنى : أنَّ هذه حال المؤمنين أَن لا يذُوقُوا إلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولى ، بخِلاَفِ الكفَّارِ فإنَّهم في آلام وغُمُوم وأَحوال يَتَمنَّونَ فيها الموتَ كلّ ساعة ، وإنَّما يقُولُهُ المؤمنُ تَحَدُّثاً بنعمةِ اللهِ بِمَسْمَع من قَرينِهِ ليكونَ تَوبيخاً لَهُ ، ويجوزُ أن يكُونَ قولُهُم جَميعَاً . وكذلكَ قَولُهُ : ( إنَّ هذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) أي : إنَّ هذا الأَمْرَ الذي نَحْنُ فيهِ ، وقيلَ : هو من قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ اسمُهُ تَقْريراً لِقَوْلِهِم ( 4 ) .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده : ج 4 ص 24 ، والبيهقي في سننه : ج 3 ص 369 بسندهما عن شداد بن أوس . ( 2 و 3 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 44 . ( 4 ) قاله الشيخ الطوسي في التبيان : ج 8 ص 500 .